ابن قيم الجوزية

70

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

واعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب هاهنا وهاهنا فحقيقة هذا هو الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه . وزاد بعضهم قسماً آخر من أقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضاً غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال : فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب : وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع وقد قال تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ( العنكبوت : 69 ) وقال : ( وجاهدوا في الله ) ( الحج : 78 ) وفي حديث جابر : ( أن الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال : يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( ولقد أوذيت في الله ) وما يؤذي أحد . وهذا يفهم منه معنيان : أحدهما : أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الانسان باختياره كما في الحديث : « تعلمت فيك العلم » . والثاني : أنه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتي قولهم ( ذلك في الله ) في هذا المعنى فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولقد أوذيت في الله ) وقول خبيب : ( وذلك في ذات الإله ) وقول عبد الله بن هزام : ( حتى أقتل فيك ) وكذلك في قوله : ( والذين جاهدوا فينا ) ( العنكبوت : 69 ) فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه . وليست ( في ) هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية وإن كانت السببية هي